الشيخ محمد رشيد رضا
453
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بعد مقاومتهم للنبي ( ص ) - وروى عن السدي في قولهم ومرادهم - : قالوا : ان اللّه وضع يده على صدره فلا يبسطها حتى يرد علينا ملكنا . وروى عن ابن عباس في معنى عبارتهم أنه قال : ليس يعنون بذلك أن يد اللّه موثقة ، ولكنهم يقولون إنه بخيل أمسك ما عنده ، تعالى اللّه عما يقولون علوا كبيرا . فجعل العبارة ابن عباس من باب الكناية لا من باب الحقيقة وقد جعل بعض أهل الجدل الآية من المشكلات لان يهود عصره ينكرون صدور هذا القول عنهم ، ولأنه يخالف عقائدهم ومقتضى دينهم . ومما قالوه في حل الاشكال : إنهم قالوا ذلك على سبيل الإلزام ، فإنهم لما سمعوا قوله تعالى ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ ) * قالوا : من احتاج إلى القرض كان فقيرا عاجزا مغلول اليدين ، بل قالوا ما هو أبعد من هذا في تعليل قولهم والخرص في بيان مرادهم منه ، وما هذا الا غفلة عن جرأة أمثالهم في كل عصر ، على مثل هذا القول البعيد عن الأدب بعد صاحبه عن حقيقة الايمان ، ممن ليس لهم من الدين الا العصبية الجنسية ، والتقاليد القشرية ، فلا اشكال في صدوره عن بعض المجازفين من اليهود في عصر النبي ( ص ) وقد كان أكثرهم فاسقين فاسدين . وطالما سمعنا ممن يعدون من المسلمين في عصرنا مثله في الشكوى من اللّه عز وجل والاعتراض عليه عند الضيق ، وفي ابان المصائب . وعبارة الآية لا تدل على أن هذا القول يقوله جميع اليهود في كل عصر ، حتى يجعل انكار بعضهم له في بعض العصور وجها للاشكال في الآية ، وانما عزاه إلى جنسهم لما ذكرناه آنفا ، على أن الناس في كل زمان يعزون إلى الأمة ما يسمعونه من بعض أفرادها إذا كان مثله لا ينكر فيهم ، والقرآن يسند إلى المتأخرين ما قاله وفعله سلفهم منذ قرون ، بناء على قاعدة تكافل الأمة وكونها كالشخص الواحد . ومثل هذا الأسلوب مألوف في كلام الناس أيضا واليد تطلق في اللغة على عدة معان يقول أهل البيان ان بعضها حقيقة وبعضها من المجاز أو الكناية ، فتطلق على الجارحة وعلى النعمة والقدرة والملك والتصرف وغير ذلك . رأى أهل التأويل ان هذه الآية يجب تأويلها لان اليد بمعنى الجارحة مما يستحيل نسبته إلى اللّه تعالى ، ويقول بعض أهل التفويض : بل نثبت له اليد وننزهه